ابن قيم الجوزية
24
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
قلت : والآية تحتمله . ولا يناقض القولين قبله ، فإن اللّه على صراط مستقيم ، ورسوله وأتباع رسوله . وضد ذلك معبود الكفار وهاديهم ، والكافر التابع والمتبوع والمعبود . فيكون بعض السلف ذكر أعلى الأنواع . وبعضهم ذكر الهادي . وبعضهم المستجيب القابل . وتكون الآية : متناولة لذلك كله . ولذلك نظائر كثيرة في القرآن . وأما آية هود : فصريحة لا تحتمل إلا معنى واحدا . وهو أن اللّه سبحانه على صراط مستقيم . وهو سبحانه أحق من كان على صراط مستقيم - فإن أقواله كلها صدق ورشد وهدى وعدل وحكمة : 6 : 115 وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا وأفعاله كلها مصالح وحكم ، ورحمة وعدل وخير . فالشر لا يدخل في أفعاله ولا أقواله البتة ، لخروج الشر عن الصراط المستقيم . فكيف يدخل في أفعال من هو على الصراط المستقيم أو أقواله ؟ وإنما يدخل في أفعال من خرج عنه وفي أقواله . و في دعائه عليه الصلاة والسلام : « لبيك وسعديك ، والخير كله بيديك والشر ليس إليك « 1 » » ولا يلتفت إلى تفسير من فسره بقوله : والشر لا يتقرب به إليك ، أو لا يصعد إليك . فإن المعنى أجل من ذلك ، وأكبر وأعظم قدرا . فإن من أسماؤه كلها حسنى . وأوصافه كلها كمال ، وأفعاله كلها حكم ، وأقواله كلها صدق وعدل : يستحيل دخول الشر في أسمائه أو أوصافه ، أو أفعاله أو أقواله . فطابق بين هذا المعنى وبين قوله : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وتأمل كيف ذكر هذا عقيب قوله : 11 : 56
--> ممن حرم الخمر على نفسه قبل تحريمها وكان عابدا مجتهدا ، وسمع لبيد بن ربيعة ينشد : « ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » فقال : صدقت ، فلما قال : « وكل نعيم لا محالة زائل » قال : كذبت ، نعيم الجنة لا يزول ، توفي في السنة الثانية للهجرة . ( انظر شذرات الذهب ) . ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك عن انس 2 / 363 .